لسان الدين ابن الخطيب

24

الإحاطة في أخبار غرناطة

ولمّا جنّ الليل ، أمر أميرهم « 1 » برفع خبائه من وهدة كان فيها إلى نجدة ، فساءت الظنون ، واختلّ الأمر ، ففرّ الناس وأسلموا ، وتهيّب العدو المحلّة ، فلم يدخلها إلّا بعد هدأة من الليل واستولى عليها . وتحرّك بعد الغد منها إلى جهة الساحل فشقّ العمامة الآمنة من الإقليم والشّارّات « 2 » ، فيقول بعض شيوخ تلك الجهة : إنه اجتاز بوادي شلوبانية المطلّ الحافّات ، والمتحصّن المجاز ، وقال بلغته : أيّ قبر هذا لو ألفينا من يصبّ علينا التراب ! ثم عرّج يمنة حتى انتهى إلى بلّش ، وأنشأ بها جفنا « 3 » صغيرا يصيد له حوتا ، أكل منه كأنه نذر كان عليه ، وفّى به ، أو حديث أراد أن يخلّد عنه ، ثم عاد إلى غرناطة ، فاضطرب بها محلته بقرية ذكر ، على ثلاثة فراسخ منها قبلة ، ثم انتقل بعد ذلك بيومين إلى قرية همدان « 4 » ، وبرز بالكتب جاعرسطة « 5 » من المدينة ، وكان بينه وبين عساكر المسلمين مواقعة عظيمة ؛ ولأهل غرناطة بهذا الموضع حدثان ينظرونه من القضايا المستقبلة . قال ابن الصّيرفي : وقد ذكر في بعض كتب الجفر : « هذا الفحص ، بخراب يجبى عن يتامى وأيامى » . وكان هذا اليوم معرّضا لذلك ، فوقى اللّه ؛ وانتقل بعد يومين إلى المرج مضيّقا عليه والخيل تحرجه ، فنزل بعين أطسة ، والجيوش محدقة به ، وهو في نهاية من كمال التّعبئة ، وأخذ الحذر ، بحيث لا تصاب فيه فرصة ؛ ثم تحرّك على البراجلات ، إلى اللقوق ، إلى وادي آش ، وقد أصيب كثير من حاميته ؛ وطوى المراحل إلى الشرق ؛ فاجتاز إلى مرسية ، إلى جوف شاطبة ، والعساكر في كل ذلك تطأ أذياله ، والتّناوش « 6 » يتخطّر به ، والوباء يسرع إليه ، حتى لحق بلاده ، وهو ينظر إلى قفاه ، مخترما ، مفلولا من غير حرب ، يكاد الموت يستأصل محلّته وجملته . ولمّا بان للمسلمين من مكيدة جيرانهم المعاهدين ، ما أجلت عنه هذه القضية ، أخذهم الإرجاف ، ووغرت لهم الصّدور . ووجّه إلى مكانهم الحزم ، ووجّه القاضي

--> - أرنيسول وقال : إنه حصن منيع . الكامل في التاريخ ( ج 10 ص 631 ) . ( 1 ) في البيان المغرب : « فلما طفلت الشمس أمر الأمير تميم برفع خبائه » . ( 2 ) الشّارات أو البشرّات : بالإسبانية Alpujarras ، وهي المنطقة الجبلية الواقعة جنوب سفوح جبل شلير . راجع : مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر ( ص 46 ) . ( 3 ) الجفن : المركب أو السفينة الحربية . ملحق القواميس العربية لدوزي ( ج 1 ص 201 ) . ( 4 ) همدان : بالإسبانية Alhendin ، سمّيت بذلك نسبة إلى قبيلة همدان لأنها نزلت بها . تأريخ المن بالإمامة ( ص 191 ) ، ومملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر ( ص 71 ) . ( 5 ) أغلب الظن أنه اسم أحد زعماء النصارى المعاهدين ، وهو : Inigo Arista . ( 6 ) في البيان المغرب : « وتناوشه وتصيب منه » .